ترقيات الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس 2026 تكشف خللًا إداريًا عميقًا
في وقت تتزايد فيه الضغوط على مؤسسات الدولة السودانية لإثبات قدرتها على العمل بمعايير مهنية عادلة، جاءت قرارات الترقية الأخيرة داخل الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لتكشف عن أزمة أعمق تتجاوز مجرد توزيع درجات وظيفية، وتصل إلى جوهر الثقة في الإدارة العامة، ومدى قدرتها على حماية حقوق العاملين في ظل ظروف الحرب والانقسام الإداري.
ففي الأول من فبراير 2026، أصدر المدير العام للهيئة قرارًا بترقية 603 من العاملين من أصل 1680، أي ما يعادل 35.9%، بينما بقي 1077 موظفًا — يمثلون 64.1% — دون ترقية، رغم أن كثيرين منهم لم يحصلوا على أي ترقية منذ عام 2021. وقد توزعت الترقيات بين قطاعات مختلفة، شملت موظفين وفنيين وسائقين وعمالًا، لكن الأرقام لم تكن جوهر الأزمة، بل المنهجية التي استندت إليها الإدارة في اتخاذ القرار.
فقد اعتمدت الهيئة بشكل كامل على “التقارير السرية” لعامي 2023 و2024، وهما عامان شهدا نزوحًا واسعًا للعاملين من ولايات دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة، وضياع ملفات وظيفية، وتعطلًا في سير العمل الطبيعي. وكان من الأجدى — كما يرى العاملون — اعتماد تقارير عامي 2022 أو 2025 اللذين اتسما بقدر أكبر من الاستقرار، أو اللجوء إلى معايير موضوعية مثل الأقدمية والمؤهل إلى حين عودة الظروف الطبيعية.
وتشير شهادات العاملين إلى أن التقارير المعتمدة شابتها مخالفات جسيمة، أبرزها قيام رؤساء يتنافسون مع مرؤوسيهم على نفس الدرجة بكتابة تقارير تقييمهم، في تضارب مصالح واضح. كما جرى تقييم بعض العاملين الذين عملوا جزءًا من 2023 ونصف 2024 بنسبة 50% فقط، وهو خطأ منهجي يعكس خللًا في دور ممثلي ديوان شؤون الخدمة داخل الهيئة. والأسوأ أن بعض العاملين الذين واظبوا على العمل منذ 2021 في مواقع حساسة مرتبطة بالصادرات والواردات — وهي قطاعات تؤثر مباشرة على اقتصاد الدولة — جرى استبعادهم بسبب تقارير لم تعكس أداءهم الحقيقي خلال الحرب.
وعندما حاول المتضررون تقديم تظلماتهم عبر رؤسائهم المباشرين، رفض ممثلو ديوان شؤون الخدمة استلامها، بحجة أن الاعتراض يجب أن يوجَّه مباشرة إلى وزير شؤون مجلس الوزراء ووزير تنمية الموارد البشرية، متجاهلين التسلسل الإداري الذي تحكمه الأصول المهنية. وبما أن الترقيات لم تُعتمد بعد من الوزراء المختصين، بدا مسار التظلم أشبه بمحاولة “البحث عن إبرة داخل كومة رمل”.
وفي خضم هذا الجدل، أصدرت اللجنة التمهيدية لنقابة العاملين بيانًا أشادت فيه بالقرار ووصفته بـ“الإنجاز المؤسسي”، ووجهت الشكر للمدير العام، في خطوة أثارت استياء العاملين الذين رأوا في البيان تزكية غير مبررة للإدارة، وتجاهلًا لمعاناة 64% من الموظفين الذين لم تشملهم الترقيات. كما أن النقابة — بحسب العاملين — معينة ولا تمثلهم تمثيلًا حقيقيًا.
وتطرح هذه الأزمة سؤالين جوهريين يتردد صداهما بين العاملين: هل ستطبق ترقيات ديوان شؤون الخدمة نفس المنهجية التي اتبعتها الهيئة؟ وهل المؤسسات الأخرى التي أجرت ترقيات بعد الحرب اعتمدت الأسلوب ذاته، أم أن ما حدث في الهيئة يمثل استثناءً يكشف خللًا مؤسسيًا أعمق؟
وتكشف هذه الأسئلة عن شعور متزايد بأن سياسة “الكيل بمكيالين” أصبحت جزءًا من الممارسة الإدارية داخل الهيئة، وأن ما جرى لا يعكس مجرد خطأ إجرائي، بل يشير إلى فساد مستشري داخل المؤسسة، كما يرى العاملون، وهو ما يتطلب — في نظرهم — تدخلًا عاجلًا من الجهات المعنية لوقف ما وصفوه بـ“الأمر الخطير”.
وفي بلد يعيش حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، تبدو هذه الأزمة أكثر من مجرد خلاف إداري؛ إنها اختبار لمدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية العدالة الوظيفية، وضمان أن تكون الترقيات وسيلة لتحفيز الأداء لا لتكريس الانقسام والتمييز. وبينما ينتظر العاملون خطوات تصحيحية، يظل السؤال الأكبر معلقًا: هل تتحرك الجهات المختصة لمعالجة الخلل، أم تظل الأزمة مثالًا جديدًا على تآكل الثقة في مؤسسات الخدمة العامة؟
ترقيات الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس 2026 تكشف خللًا إداريًا عميقًا ⤵️ التفاصيل https://t.co/QcRIm5ZI6a
— اخبار السودان (@sudanakhbar) March 29, 2026

0 Comments: