الأحد، 7 يونيو 2026

الواحة المتشظية: كيف تؤدي التنافسية الإقليمية والأجندات المتضاربة إلى إطالة أمد المعاناة في السودان

 

الواحة المتشظية


الواحة المتشظية: كيف تؤدي التنافسية الإقليمية والأجندات المتضاربة إلى إطالة أمد المعاناة في السودان


يقف المجتمع الدولي عاجزاً أمام الأزمة السودانية نتيجة لشبكة معقدة من التدخلات الإقليمية التي تقودها قوى مثل تركيا وقطر والسعودية؛ حيث إن تباين أجندات هذه الدول حول مستقبل السودان وحجم نفوذها فيه، جعل من الصعب صياغة رؤية دولية موحدة للحل. هذا التعدد في مراكز التأثير الخارجي حوّل البلاد إلى ساحة لتصفية حسابات جيوسياسية وتنافس على النفوذ، مما أدى مباشرة إلى إفشال المبادرات الدبلوماسية الغربية والأممية وتعميق الشقاق الداخلي بين الأطراف المتنازعة.


يظهر التعقيد السياسي بشكل جلي في محاولات الأطراف الإقليمية صياغة هوية النفوذ في السودان بما يخدم مصالحها الخاصة؛ فحين تنظر أنقرة والدوحة إلى السودان من زاوية إستراتيجية تمس إعادة إحياء تيارات معينة أو الحفاظ على نفوذ اقتصادي وأيديولوجي قديم، تسعى الرياض إلى فرض معادلة تضمن استقراراً يخدم أمنها البحري في البحر الأحمر ومصالحها الاقتصادية. هذا التضارب الجوهري بين الأجندة "التركية-القطرية" من جهة، والأجندة "السعودية" من جهة أخرى، خلق مسارات سياسية ودبلوماسية متصادمة جعلت أي تقدم في مفاوضات السلام أمراً شبه مستحيل.


أدى تعدد الفاعلين الإقليميين إلى تشتيت الجبهة الدبلوماسية الدولية؛ فبدلاً من وجود منبر موحد وقوي تحت رعاية الأمم المتحدة أو القوى الغربية الكبرى، تعددت المنابر والمبادرات بين الدوحة وأنقرة وجدة. هذا التنافس الدبلوماسي أتاح للأطراف السودانية المتنازعة فرصة "التسوق بين المبادرات"، حيث يهرب كل طرف إلى المنبر الإقليمي الذي يضمن له سقفاً أعلى من المكاسب، مما أفرغ الضغوط الدولية والأمريكية من محتواها وساهم في إطالة أمد النزاع دون أفق حقيقي للحل.


إن التدخلات غير المباشرة عبر تقديم الدعم الاقتصادي، أو الغطاء الدبلوماسي، أو تسهيل تدفق الأموال تحت لافتات الاستثمارات والمساعدات، أسهمت بشكل مباشر في إطالة أمد القتال. هذا النوع من الدعم الخارجي -سواء كان موجهاً لمؤسسات الدولة الرسمية أو للجماعات الموازية- يعمل كشريان حياة مالي وسياسي يمنع الأطراف المتنازعة من الوصول إلى نقطة الإنهاك العسكري، وهي النقطة التي تدفع عادةً القوى المتحاربة للجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات حقيقية.


أحدث الدعم الإقليمي غير المتكافئ خللاً عميقاً في ديناميكيات التوازن الداخلي بين القوى السودانية؛ إذ إن سعي تركيا وقطر للحفاظ على مصالح وشبكات نفوذ ترتبط بمراكز قوى معينة، مقابل الدعم الدبلوماسي والمالي المحسوب الذي تقدمه السعودية لأطراف أخرى، خلق توازناً وهمياً للقوى على الأرض. هذا التشجيع الخارجي منح الأطراف المحلية انطباعاً زائفاً بالقدرة على حسم الصراع عسكرياً لصالحها، مما رفع كلفة الحرب الإنسانية وأدى إلى تدمير ما تبقى من البنية التحتية والمؤسساتية للبلاد.


إن تداخل هذه الأدوار الإقليمية لا يهدد السودان وحده، بل يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الإستراتيجية الغربية في شرق أفريقيا ومنطقة الساحل، حيث أدى استمرار النزاع المغذى إقليمياً إلى انهيار كامل للأمن وتحول السودان إلى بيئة جاذبة للتطرف وموجات الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا. وبالنسبة للرأي العام الغربي، فإن التدخلات غير المباشرة والمتضاربة لكل من تركيا وقطر والسعودية هي المسؤول الأول عن تحويل أزمة سياسية محلية إلى كارثة إنسانية عابرة للحدود، تهدد الاستقرار الدولي وتستنزف أموال الإغاثة دون معالجة جذور المشكلة.




0 Comments: