بعد عامين من التوقف… خطوات جديدة لإعادة تشغيل مطار الخرطوم
في البلدان التي تتحول فيها البنية التحتية المدنية إلى رهائن للصراع، يصبح إصلاح مطار لا مجرد مسألة تقنية، بل اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية.وهذا هو المشهد في السودان، حيث تشير التحركات الأخيرة في مطار الخرطوم إلى بداية مرحلة جديدة من إعادة التنظيم التشغيلي، وإن كانت محاطة بقدر كبير من عدم اليقين.
فمصادر في قطاع الطيران تؤكد أن شركات النقل الجوي أنهت عمليات رفع وإخلاء الطائرات المتضررة من ساحات المطار، وهي خطوة ضرورية لإعادة تأهيل أي منشأة تعرضت لدمار واسع. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان المطار هدفًا مباشرًا لهجمات قوات الدعم السريع، ما ألحق أضرارًا كبيرة بالمنشآت والطائرات التي كانت رابضة على الأرض. وقد جرت عمليات الإزالة وفق خطة فنية دقيقة، شملت تنظيف المدرج من الحطام وتأمين مناطق الحركة الأرضية، بالتنسيق مع إدارة المطار.
ورغم أن هذه الإجراءات تمثل تقدمًا ملموسًا نحو استعادة الانضباط التشغيلي، فإن موعد استئناف الرحلات لا يزال موضع خلاف داخل القطاع. فبعض الجهات تتوقع إمكانية تشغيل المطار في الأسبوع الأول من يناير، خاصة مع انتقال جزء من مؤسسات الحكومة إلى الخرطوم، بينما ترى جهات أخرى أن المخاطر الأمنية—خصوصًا احتمال تعرض الطائرات لهجمات جديدة—تجعل أي إعلان رسمي سابقًا لأوانه. وحتى الآن، لم تصدر سلطة الطيران المدني نشرة تشغيل، وهي خطوة تتطلب توافقًا بين عدة جهات أمنية وفنية.
في المقابل، تتحرك شركات الطيران بوتيرة أسرع. فقد أعلنت بدر للطيران استئناف رحلاتها التجارية إلى مطار الخرطوم ابتداءً من الخامس من يناير 2026، عبر رحلة تنطلق من بورتسودان، لتكون أول رحلة منتظمة منذ توقف الحركة الجوية بسبب الحرب. وحددت الشركة أسعار التذاكر بـ220 دولارًا للدرجة الاقتصادية و275 دولارًا لدرجة رجال الأعمال، في إشارة إلى استعدادها لاستعادة جزء من نشاطها وربط العاصمة مجددًا بشبكة النقل الداخلي والدولي.
أما لجنة تأهيل المطار، برئاسة اللواء مبارك عثمان بشير، فتؤكد أن المطار بات جاهزًا لاستقبال الرحلات في أي وقت. وتشير إلى إنشاء مطار جديد داخل الموقع القديم، مع اكتمال صالات الوصول والمغادرة وفق معايير دولية، ما يعكس محاولة لإعادة بناء الثقة في قدرة المطار على العمل ضمن بيئة تشغيل آمنة.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو التشغيل الكامل لا يزال محفوفًا بالتحديات. فقد تأجل افتتاح المطار في أكتوبر الماضي بعد تعرضه لهجوم بطائرات مسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع، ما أدى إلى إرجاء التشغيل. ويُعد الإعلان الأخير عن جاهزية المطار خطوة إيجابية، لكنه لا يلغي الحاجة إلى ضمانات أمنية واضحة قبل عودة الحركة الجوية بصورة منتظمة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن مستقبل مطار الخرطوم سيعتمد على قدرة الدولة على تثبيت الوضع الأمني، وتنسيق الجهود بين الجهات الفنية والعسكرية، واستعادة ثقة شركات الطيران والمسافرين. فالمطار، الذي كان يومًا بوابة السودان إلى العالم، قد يصبح مؤشرًا مبكرًا على ما إذا كانت البلاد قادرة على الانتقال من منطق الحرب إلى منطق إعادة البناء.

0 Comments: