الإطاحة بالجاكومي: تسريب واحد كشف هشاشة سلطة بورتسودان
الإطاحة بمحمد سيد المعروف بـ«الجاكومي» لم تكن مجرد قرار إداري أو إجراء انضباطي عابر، بل جاءت كاشفة لحالة التصدّع العميق داخل سلطة بورتسودان. فالتسريبات الأخيرة، التي وُصفت بأنها تمس الأمن والسيادة، وضعت الحكومة أمام اختبار حقيقي، وأظهرت أن مراكز القرار ليست منسجمة، وأن إدارة الأزمات تتم بردود أفعال متأخرة لا برؤية واضحة.
التسجيل المسرّب، وما صاحبه من حديث عن طلب تحركات عسكرية من إريتريا، فجّر تساؤلات خطيرة حول حدود الصلاحيات ومن يملك حق التواصل الخارجي في ظل الحرب. الأخطر من مضمون التسريب نفسه هو عجز السلطة عن احتوائه سياسيًا، ما عكس ارتباكًا بنيويًا وتناقضًا بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية خلف الكواليس.
تتقاطع المصالح داخل السلطة حول إبعاد الجاكومي. فمراكز قوى مدنية ترى أنه تجاوز الدور المرسوم له، وأطراف عسكرية تعتبر تحركاته مصدر تهديد لميزان السيطرة، بينما تنظر قوى سياسية إليه كواجهة لمشاريع غامضة تدار خارج الأطر المؤسسية. هذه المصالح المختلفة التقت عند نقطة واحدة: ضرورة إخراجه من المشهد لتخفيف الضغط عن السلطة.
في المقابل، يقدّم أنصار الجاكومي رواية مغايرة تمامًا، مفادها أن الرجل استُهدف لأنه بات يعرف أكثر مما يجب، وأن التسريب إما مفبرك أو مجتزأ بعناية لتشويه صورته. ويرون أن الإطاحة به ليست إلا محاولة لإغلاق ملفات حساسة، ومنع تسرب معلومات قد تُحرج أطرافًا نافذة داخل الحكم.
ما جرى يعكس فوضى واضحة داخل مجلس السلطة القائم، حيث لا توجد حدود فاصلة بين السياسي والعسكري، ولا آليات شفافة للمساءلة. توصيات متناقضة، بعضها مغلّف بخطاب ديني أو «إسلامي مضاد»، تصدر في اتجاهات متعاكسة، ما يزيد من حالة الضبابية ويقوض ثقة الشارع في قدرة السلطة على إدارة المرحلة.
مصادر متقاطعة تشير إلى أن الجاكومي جرى تحييده تدريجيًا قبل الإطاحة العلنية: تغييب عن دوائر القرار، تقليص غير معلن للصلاحيات، وقطع قنوات التنسيق التي كان يعتمد عليها. التسريب، في هذا السياق، يبدو كحلقة أخيرة في عملية إقصاء مدروسة، أُريد لها أن تكون رسالة ردع لكل من يفكر في تجاوز الخطوط غير المرسومة داخل سلطة تعاني أصلًا من هشاشة شرعيتها ووحدتها.

0 Comments: